عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )
192
الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب
إن حب معاوية لهذا اللون من الطعام ألا وهو « الحيس » قد جعله يأكل منه بنهم وشره رغم تحذير الطبيب له . ونتج عن هذا الشره ، ومن الانغماس في الأكل والتفنن في التشويق اليه كثير من علل القناة الهضمية ، توالت على أهل الترف في ذلك العهد كالقولنج وتلبك المعدة ، والدوزنطاريا وغيرها من عواقب النهم في اللحوم كالنقرس والروماتيزم ونحوهما . وتسلطت السويداء على أمزجة الخلفاء والأمراء ، وتولتهم حدّة المزاج فجرهم الغضب إلى سرعة الفتك والقتل من تغلب السوداء عليهم ، كما يتضح هذا في مراجعة أخبارهم « 1 » وسبب ذلك في الغالب فساد الهضم واصابتهم بالتخمة ، فمعاوية مات متخوما ، وكذلك سليمان مات بالتخمة كما تحدثنا كتب التاريخ والسيرة . ويبدو أن مرض التخمة كان شائعا في ذلك العصر يحاول الخلفاء أن يجدوا له الدواء أو يتحروا أسبابه لتلافي الإصابة به . فقد سأل عبد الملك بن مروان يوما أحد ضيوفه فقال : « هلا أتخمت قط ؟ قال : لا ، قال وكيف ذاك ؟ قال : لأنا إذا طبخنا أنضجنا ، وإذا مضغنا دققنا ، ولا نكظ المعدة ولا نخليها « 2 » » . كذلك أدرك عمرو بن العاص يوم تحكم الحكمان ما للتخمة من أثر في افساد الرأي والعقل ، فأوصى معاوية بقوله : « أكثروا الطعام ، واللّه ما بطن قوم الا فقدوا بعض عقولهم ، وما مضت عزمة رجل بات بطينا » . أطعمة جديدة وعادات جديدة : وهكذا أصيب العرب في العصر الأموي بداء التخمة ، كما أصيبوا بداء التقليد . فقلدوا الفرس في أكثر أساليب الحضارة فضلا عن نظام الحكم . ولكنهم لم يندفعوا في أول عهدهم اندفاعا أعمى في هذا التقليد ، بل وقفوا مشدوهين حائرين . رأوا بعض مظاهر الحضارة فاستنكروه ، وتعرفوا على بعض جوانبها فجفوه وخافوا منه . من ذلك أنهم وقعوا على بعض ألوان من الأطعمة لم يعرفوها فأشكل عليهم أمرها . لقد ظفر بعضهم بجراب فيه كافور فأحضره إلى أصحابه فظنوه ملحا . فطبخوا طعاما ووضعوه فيه ، فلم
--> ( 1 ) مروج الذهب للمسعودي : ج 2 - ص 267 . ( 2 ) لا نكظ المعدة : لا نملؤها .